كنت أسير بسيارتي في احد شوارع القاهرة الرئيسية وكان الشارع شديد الزحام، كنا في شهر رمضان والكل يريد العودة الي بيته بعد مشقة يوم طويل شديد الحر.

وفي الطريق حيث السيارات تكاد تكون متوقفة لا تتحرك تأملت احد الأسوار الواقعة علي جانب الطريق فإذا بها مكتوب عليها أسماء الله الحسني: “الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار … إلخ” بطول الطريق فتأملتها قليلا وبدأت أفكر لم كتبت هذه الأسماء بهذا الترتيب؟، فبهذا الترتيب نسمعها ونقرأها ونتعلمها ونعلمها ونحفظها ونكررها في كثير من المناسبات بل حتي زينا بها جدران المساجد ووضعناها كتذكرة للناس في الطرقات، وندعوا الله بها في كثير من الصلوات، فجاءتني وقتها عدة تساؤلات:

ما سر هذا الترتيب وأصله؟

قد حوي كتاب الله العظيم أكثر هذه الأسماء فكيف جاء ترتيبها به؟

كيف جلي الله لنا أسمائه الحسني في القران بتكرار أسماء -تأكيدا على ما تحمله من معاني- دون غيرها؟ وما هو اسم الله الأكثر ذكرا في كتابه العزيز؟ فبرغم أن جميع أسماء الله تعالى حسني إلا أنه لابد لهذا التكرار من حكمة بالغة ورسالة دقيقة يبعثها لنا سبحانه الذي أحصى كل شيء عددا.

هذه الأسئلة أخذت تجول في خاطري , ومع شدة الزحام وشبه توقف المسير وشغفي الشديد بالأرقام زاد حماسي فقمت على الفور بإخراج هاتفي المحمول بحثا عن إجابات عبر الانترنت, ولكن لم أجد وقتها شيئا يفيد, واصلت البحث بعد العودة الى البيت في بعض الكتب التي ظننت أن قد أجد بها بعض هذه الإجابات بشيء من الدقة ولكن للأسف أيضا لم أجد ما أريد. وهنا أدركت ان هذه منطقة ربما لم يستكشفها أحد من قبل فازداد حماسي فوق الحماس. ومن هنا جاءتني فكرة لم لا استخدم مهاراتي في تحليل البيانات في تحليل كلمات القران لإجابة هذه التساؤلات وبدأت العمل على ذلك أثناء شهر رمضان قاصدا أسماء الله تعالى التى ذكرت معرفة فى القرآن وليس صفاته عز وجل واليكم اهدي نتائج بحثى:

 

أولا :  جاء ترتيب أسماء الله في القران مغايرا للترتيب المعتاد الذي نعرفه, هذا سواء رتبناها بدأ بتقدم الذكر في القرآن بداية من سورة الفاتحة وانتهاء بسورة الناس أو رتبناها من حيث عدد مرات تكرار الاسم.

فلو رتبناها حسب تقدم الذكر لأصبحت:  ” الله الرحمن الرحيم العليم الحكيم الخبير السميع العزيز البصير القيوم العلي العظيم … إلخ. “

ولو رتبناها حسب عدد التكرار لكانت:  ” الله العزيز الرحمن الحكيم الرحيم العليم السميع الحق الغفور الحميد الغني الخبير … إلخ. “

 

ثانيا :  جاءت أسماء الله الحسنى: “العزيز الرحمن الحكيم الرحيم العليم” كأكثر أسماء الله تكرار في القرآن وفي ذلك رسالة دقيقة يبعثها الله تعالي تبصرة للناس وتأكيدا على ما تحمله هذه الأسماء من معاني جليلة.

فالله هو العزيز : لا مثيل ولا ند له, قوى غالب لا يقهر. معز لمن والاه مذل لمن عاداه.

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) – فاطر: 10

وهو الرحمن : ذو الرحمة التي لا حد لها, فرحمته وسعت كل شيء.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) – الأعراف: 156

وهو الحكيم : ذو الحكمة البالغة. وضع كل شيء في موضعه. أحكم كل شيء صنعا ولم يخلق شيء عبثا. له الحكم في الأولى والأخرة.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ – المؤمنون: 115

وهو الرحيم : ذو رحمة خاصة بعباده الذين أمنوا به وصدقوا رسله واتبعوهم ونصروهم.

(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) – الأحزاب: 43

وهو العليم : أحاط بكل شيء علما، صغر أو كبر، ظهر أو خفي، كيف كان وكيف سيكون.

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) – الأنعام: 59

 

فلو نظرنا الي الترتيب ويكأن الله تعالى يخبرنا:

” أنه صاحب العزة سبحانه، لا مثيل ولا ند له, قوى لا يقهر, شديد لا يُغلب، يعز من والاه ويذل من عاداه. وهذه العزة مقرونة برحمته التي وسعت جميع خلقه. ولحكمته البالغة جعل لعباده المؤمنين نصيب خاص منها في الأخرة ثوابا لما فعلوه فى الاولي وهذا لتمام علمه سبحانه. “

 

ولمن حدق النظر أكثر،

” فالعزة والرحمة والحكمة والعلم، هي أهم مقومات المُلك ولله المثل الأعلى. “

وهنا قد انتهت بي هذه الرحلة القصيرة في كتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, وكلى شغف الى مزيد من الرحلات الاستكشافية لفهم ما يحمله لنا القرآن من رسائل ضمنية تكشفها لنا الأعداد.